علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

118

الصداقة والصديق

[ لوم اللائم ] وقال عروة بن الورد « 1 » : فدع ما لمت صاحبه عليه * فشين أن يلومك من تلوم [ من المعتصم إلى قائده ] كتب المعتصم إلى ابن طاهر عبد اللّه « 2 » : إيّاك أن تريني وجهك ، فإني لست آمن نفسي عليك ، ولك من قلبي مكان ، ما أوثر أن يؤثّر فيه ما يحيله عن صورته ، ولأن تكون بعيدا وأنا لك ، خير من أن تكون قريبا وأنا عليك ، ولأن لا تراني وأنا واثق بك ، أنفع لك من أن أراك وأنا ظنين فيك ، وإذا صدقتك عمّا حنيت عليه ضلوعي من أمرك ، فقد قضيت حقّك في كفايتك ، واستدمت به صفاء ضميرك ، ولو قرأت لي ألف كتاب بالورود ، فلا تعمل عليه ، ولا يرخصنّ عندك هذا القول فإنّ تحته وجدا بك ، واستنامة إليك ، وابتهاجا بمكانك ، [ وازديانا بخبرك وعيانك ] ، واكتم هذه الحروف عن كل عين رائية « 3 » ، ولا تدلّ على شيء منه مصرّحا ، ولا معرّضا ، والزم فناء عزّك ، واستنشق نسيم شوقي إليك ، وتطعّم حلاوة ثقتي بك ، وشم بارقة عتب إذا همع نقع « 4 » ، وإذا أمسك أهلك ، وإذا درّ برّ ، وإذا أقلع أجزع .

--> ( 1 ) هو عروة بن الورد بن زيد العبسي من غطفان من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها ، كان يلقب بعروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم . قال عبد الملك بن مروان : « من قال إن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد » . ( 2 ) هو طاهر بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين الخزاعي أحد ولاة العباسيين ، ولي خراسان بعد أبيه عبد اللّه بن طاهر واستمر ثماني عشرة سنة ، وتوفي فيها سنة 248 ه . ( 3 ) ج ق - رابية . ( 4 ) همعت عينه همعا وهمعا وهموعا وهمعانا وتهماعا : أسالت الدمع ، ويقال : همعت العين بالدمع وكذا انطلّ على الشجرة إذا سال ، والهمع : السحاب الماطر . ج ق - نفع - نقع الماء في بطن الوادي : اجتمع فيه وطال مكثه ، ونقع الماء العطش نقعا ونقوعا : سكّنه وقطعه .